البنك المركزي يكشف...حقائق تنبئ بزعزعة السلم الاجتماعي والاستقرار الاقتصادي

جنات بن عبد الله

كشفت الوثيقة الصادرة عن مجلس ادارة البنك المركزي التونسي المنعقد يوم 27 ديسمبر 2017 المتعلقة بالتطورات الاقتصادية والنقدية عن فجوة كبيرة بين تحليله للواقع الاقتصادي والمالي للبلاد والخطاب الرسمي الذي تروج له الحكومة بتزكية من الاغلبية المهيمنة في مجلس نواب الشعب.
اياما قليلة بعد مصادقة السلطة التشريعية على مشروع قانون المالية لسنة 2018 قدمته السلطة التنفيذية في صيغة غطاء قانوني لإطلاق يد ادارة الجباية لجمع اكثر ما يمكن لتسديد عجز ميزانية الدولة متجاوزة بذلك كل المعايير المتفق عليها في مجالي الضغط الجبائي والعدالة الجبائية بما يقطع الطريق امام كل تهرّب جبائي محتمل، تصدر السلطة النقدية تشخيصها لوضع اقتصادي متأزم ولقطاعات اقتصادية تتجه نحو الانهيار ولمقدرة شرائية سلكت طريقها نحو الاندثار تحت قصف ارتفاع الاسعار.
لقد قام قانون المالية لسنة 2018 على الترفيع في الضرائب والاداءات لتأمين موارد اضافية لميزانية دولة خرّبها الفساد طوال عقود وعجزت الحكومات المتعاقبة على سد عجز انفلت من السيطرة لأسباب عديدة ومتعددة عمّقها انخراط كل هذه الحكومات في مسار تثبيت دولة الفساد. مسار قطع الطريق امام كل محاولات الاصلاح الحقيقية لتترك الطريق امام اصلاحات صندوق النقد الدولي التي لا تعترف بالأبعاد التنموية والقيمية والاجتماعية ديدنها في ذلك تحقيق المردود المالي والتوازنات المالية في أقرب الآجال بما يضمن موارد لتسديد قروضها التي وظفت لتثبيت منوال تنمية فاشل خدم لعقود مصالح لوبيات قديمة وجديدة، وتمويل احزاب سياسية استولت على السلطة بانتخابات شرعية وتعمل على تثبيت وجودها بمغالطة الشعب والترويج لأحلام زائفة كشفتها وثيقة البنك المركزي التونسي.
لقد رفعت وثيقة البنك المركزي التونسي الستار عن واقع هش من خلال مؤشرات واحصائيات تتمثل في:
- نسبة نمو ضعيفة للناتج المحلي الاجمالي في حدود ٪1.9 خلال التسعة أشهر الاولى من سنة 2017.
- نسبة نمو ضعيفة للصناعات المعملية خلال الثلاثي الثالث من سنة 2017 في حدود ٪2.1.
- نسبة نمو ضعيفة للخدمات المسوقة في حدود ٪1.3.
- تقلص القيمة المضاعفة للقطاع الفلاحي والصيد البحري بـ٪09 خلال الثلاثي الثالث من سنة 2017 مقابل نمو ايجابي بـ٪1.6 خلال الثلاثي الثاني من السنة ذاتها.
- انكماش القيمة المضافة للصناعات الكيميائية بـ٪6.8.
- تراجع القيمة المضافة لقطاع النسيج والملابس والجلود بـ٪1.7.
- تواصل النسق التنازلي لنمو الصناعات غير المعملية حيث تراجعت قيمتها المضافة بنسبة ٪3.5 لتسهم بـ0.3 نقطة مائوية سلبية في النمو (المقصود بالصناعات غير المعملية هي نشاط استخراج النفط والغاز الطبيعي، الصناعات الكهربائية والغاز والصناعات المنجمية).
- انتعاشة ضعيفة للخدمات المسوقة بنسبة ٪1.3 لتسهم بـ0.5 نقطة مائوية في النمو الاجمالي.
في هذه الوثيقة تعرّض البنك المركزي للمؤشرات المتعلقة بالاستهلاك ايضا والمقدرة الشرائية للمواطن وذلك من خلال تحليل تطور نسبة التضخم حيث لاحظ الارتفاع المتواصل للأسعار التي ترجمتها نسبة التضخم التي بلغت مستوى قياسيا في شهر نوفمبر بحساب الانزلاق السنوي وهو ٪6.3 مقابل ٪5.8 في شهر اكتوبر 2017. واشارت الوثيقة الى ان هذا الارتفاع شمل اسعار المواد المسعرة والمواد الحرة منبهة الى تواصل الضغوط التضخمية خلال سنة 2018 حيث من المتوقع ان تبلغ على كامل السنة ٪6.1 مقابل ٪5.2 منتظرة خلال سنة 2017.
في هذا السياق نشير الى ان مصادر ارتفاع التضخم وارتفاع الاسعار التي تهدد المقدرة الشرائية للمواطن التونسي خلال سنة 2018 تتمثل في:
- ارتفاع الاداءات المباشرة وغير المباشرة بمقتضى قانون المالية لسنة 2018.
- ارتفاع سعر المحروقات بمقتضى آلية التعديل الآلي للأسعار والمرتبطة بتقلب الاسعار في الاسواق العالمية للنفط.
- التضخم المورد باعتبار ان السوق التونسية اصبحت غارقة بالسلع والمواد والبضائع الموردة مقابل تدمير منظومة الانتاج الوطنية.
- عدم السيطرة على مسالك التوزيع.
في ظل هذه المعطيات التي كشفت عن ضعف نمو كل القطاعات الاقتصادية، وتدهور المقدرة الشرائية تحت الضغوط التضخمية، نتساءل عن مدى قدرة قانون المالية لسنة 2018 على تعبئة الموارد المالية لميزانية الدولة باعتبار الفجوة الكبيرة بين الواقع الاقتصادي والمالي من جهة، وسياسة المالية العمومية من جهة اخرى، لنفهم حقيقة اتساع الفجوة بين الشعب والسلطتين التنفيذية والتشريعية من جهة، وبين السلطة النقدية والسلطتين التنفيذية والتشريعية من جهة اخرى، حقيقة تنبئ بحتمية زعزعة السلم الاجتماعية والاستقرار الاقتصادي.

تعليقات الفيسبوك