العدالة الانتقالية في تونس إلى أين ؟

 

العدالة الانتقالية في تونس إلى أين ؟

تعد العدالة الانتقالية في تونس شرطا من شروط الانتقال الديمقراطي في البلاد، وقد ركزت معظم المعالجات لهذه القضية على الجانب النظري ومفهوم العدالة الانتقالية من النواحي القانونية والاجتماعية، ولم تلامس واقع  المسار في تونس  والمرحلة المصيرية التي يمر بها .

في هذه المعالجة التي لا تزعم الإحاطة بكل التفاصيل ولكنها تقدم المؤشرات الدالة على الحالة الموضوعية للعدالة الانتقالية في البلاد من خلال تسليط الضوء على زوايا العناوين الكبيرة للعدالة الانتقالية، وهي كشف الحقيقة، والمساءلة والمحاسبة، وجبر الضرر، وحفظ الذاكرة الوطنية، وإصلاح المؤسسات، والمصالحة واستعادة الكرامة.

وفي هذه المعالجة حاولنا تقديم  مؤشرات واقع كل مقوم من هذه المقومات مع التأكيد على وجود مؤشرات أخرى في نفس الاتجاه و ربما عكسه ذكرناها علما، أو غفلنا عنها سهوا أو جهلا. وما نلمسه هو أن هناك تقدم في مجال كشف الحقيقة، وحفظ الذاكرة الوطنية، وغياب للمساءلة الحقيقية وإفلات من العقاب ، بل من مثول أغلب المتهمين أمام القضاء، وتباطئ في جبر الضرر، وإصلاح المؤسسات، وفرز في عملية المصالحة، حيث هناك تهافت على المصالحة الإقتصادية على حساب المصالحة بشروطها وحسب مراحل العدالة الانتقالية { كشف الحقيقة، المساءلة والمحاسبة، وجبر الضرر} وهو ما يجعل العدالة الانتقالية في حال تمرير المصالحة بهذا الشكل، على مفترق طرق.

 أهداف العدالة الانتقالية

تعرف الموسوعة الحرة "ويكيبيديا" العدالة الانتقالية بأنها "مجموعة التدابير القضائية وغير القضائية التي ينبغي القيام بها من أجل معالجة ما ورثته الدولة المعنية من آثار الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان"وتتضمن هذه التدابير { 1 } كشف الحقيقة { 2 }  المساءلة والمحاسبة أوالملاحقات القضائية للجناة { 3 } جبر الضر ورد الاعتبار{ 4 } حفظ الذاكرة الوطنية { 5 } إصلاح المؤسسات { 6 }  المصالحة { 7 }  استعادة الكرامة .

هذه الأهداف السبعة لم تكتمل حلقاتها في تونس رغم مرور نحو 3 سنوات على تشكيل هيئة الحقيقة والكرامة ، وهي هيئة حكومية مستقلة أدى أعضاؤها اليمين الدستورية في 6 جوان 2014 بقصر الرئاسة بقرطاج أمام الرئيس السابق محمد منصف المرزوقي. ومهمتها الرئيسية هي الإشراف على مسار العدالة الانتقالية والتي تأتي في إطار الانتقال الديمقراطي وأحد أهم شروطه . ومنذ توليها لمهامها التي حددت بأربع سنوات قابلة للتمديد سنة واحدة، والهيئة تواصل عملها بهدف كشف مختلف الانتهاكات وذلك من الفترة الممتدة بين 1 جويلية 1955 وإلى 31 ديسمبر 2013 . وقد خضعت هذه التجربة للعديد من التقويمات وتعرضت للكثير من الانتقادات وتم اتهامها بارتكاب بعض الهنات أو التقصير في أداء الواجبات أو تعديها على ما يراه البعض صلاحيات أطراف أخرى، وهي انتقادات متباينة من قبل جهات مختلفة ردت عليها الهيئة إما بالتأكيد على مسؤوليتها عنها، أو ألقت باللائمة على الحكومة أو البرلمان أو كلاهما.

انجازات العدالة الانتقالية :

حققت العدالة الانتقالية في تونس بعض التقدم منذ تأسيس هيئة الحقيقة والكرامة، من ذلك جلسات الاستماع السرية التي انطلقت في 27 ماي 2015 والتي شملت العديد من ضحايا الاستبداد، الذي بلغ عددهم حتى 15 جوان 2016 أكثر من 65 ألف ضحية من مختلف الحساسيات السياسية والنقابية والحزبية والمنظمات الوطنية، يوسفيين { أنصار المناضل الوطني صالح بن يوسف }، وقوميين، ويساريين، والإسلاميين، وغيرهم، تقدموا بملفاتهم قبل التاريخ المذكور والذي كان آخر موعد لتقديم الملفات.

ومن المقارقات أن الإسلاميين وهم بالآلاف تقدموا فرادى بملفاتهم لدى هيئة الحقيقة والكرامة، بينما قدم ما يربو عن 800 يساري ملفاتهم بشكل جماعي وفي إطار حزبي ، طالما شنع هذا الإطار على عملية تعويض الضحايا ورفع ذلك الشعار المدخون" بكم كيلو نضال " .

في 17 و18 نوفمبر 2016 دشنت هيئة الحقيقة والكرامة شكلا جديدا من الجلسات العلنية المقدمة للعموم عبر وسائل الإعلام وتحديدا المرئي مع السماح لوسائل الإعلام الأخرى بنقل مجريات الجلسات التي بثت على الهواء مباشرة بحضور عدد من المسؤولين في الدولة ورؤساء الأحزاب والمنظمات الحقوقية الدولية والوطنية . وكانت تلك فرصة للعديد من الضحايا للحديث عما نالهم قبل وأثناء الثورة ، من عدوان وتعدي على الذات والممتلكات، وما تعرض له أعزاؤهم الذين قتلوا تحت التعذيب أونجوا من المحرقة، وتركت فيهم وعليهم آثارا نفسية وبدنية يعانون منها حتى اليوم، أو اختفوا قسريا ، إلى جانب التضييقات والمنع من السفر والتوقيع في مراكز الأمن، والمنع من الشغل، وتحذير أرباب العمل من توظيفهم وغيرها من الأساليب الفاشية التي تم اعتمادها في العهد الاستبدادي الديكتاتوري والذي تعود جذوره الحقيقية إلى فترة الاحتلال المباشر لتونس 1881 وما شاب الحياة العامة حتى قبل ذلك التاريخ. بيد أن هيئة الحقيقة والكرامة محددة لها المساحة الزمنية بين 1955 و2013 . وقد تجاوزت جلسات الإستماع التسع جلسات وهي متواصلة، وتكتسي أهمية بالغة في تعريف الرأي العام بالانتهاكات الجسيمة ليس لحرية الرأي والتعبير فحسب بل للذات الإنسانية والكرامة الإنسانية وللإنسانية كقيمة وللإنسانية جمعاء كتجسيد للقيمة. وهي شكل من أشكال كشف الحقيقة من ناحية وحفظ الذاكرة الوطنية من جهة أخرى، وإعادة كتابة التاريخ الوطني الحقيقي الذي قال عنه المؤرخ التونسي الكبير عبدالجليل التميمي أنه " لم يكتب بعد"

الاستشارة الوطنية حول جبر الضرر:

 في 26 مارس 2017 انطلقت الاستشارة الوطنية في كل من الكاف وجندوبة، ومهدت لها الهيئة بندوة صحفية، ذكرت فيها رئيسة الهيئة سهام بن سدرين أن الاستشارة تهدف إلى" تشريك مختلف المتدخلين والفاعلين لطرح تصوراتهم وانتظاراتهم من البرنامج الشامل لجبر ضرر ضحايا انتهاكات حقوق الانسان سواء كانوا أفرادا أو جماعات أو أشخاصا أو مناطق تعرضت للتهميش أو الإقصاء الممنهج" علاوة على" تشريك مكونات المجتمع المدني في بلورة برنامج جبر الضرر وتشريك المتدخلين في ذلك من أجل بناء إطار تشاركي موضوعي وعلمي والتوعية بمختلف أشكال جبر الضرر ورد الاعتبار التي تقوم على التعويض المادي والمعنوي ورد الاعتبار والاعتذار واسترداد الحقوق وإعادة التأهيل والإدماج" وأردفت" إلى جانب ذلك توعية وإقناع ممثلي أجهزة الدولة بأهمية جبر ضرر ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان خلال فترة الاستبداد ومسؤولية الدولة في توفير أشكال جبر الضرر الكافي والفعال بما يتناسب وجسامة الانتهاكات ووضعية كل ضحية على أن يؤخذ بعين الاعتبار الإمكانيات المتوفرة لدى الدولة عند التنفيذ". وأكدت رئيسة هيئة الحقيقة والكرامة على أن" هذه الاستشارة موجهة إلى الضحايا ومنظمات المجتمع المدني وممثلي أجهزة الدولة وعموم المواطنين.

 وأوضحت عضو الهيئة حياة الورتاني، عن انطلاق الهيئة في إقامة ورشات حوار مع المجتمع المدني جمعيات الضحايا، والحقوقيين، والشباب، والمرأة، والتنمية، وكذلك مع الضحايا الذين أودعوا ملفات لديها، وإجراء استطلاع للرأي يشارك فيه عدد كبير من الضحايا والمواطنين، إضافة إلى أجهزة الدولة. وستتوج كل هذه الأنشطة بمؤتمر وطني يتم فيه عرض الاستنتاجات والخلاصة التي توصلت إليها الهيئة.

صندوق الكرامة:

مرت نحو ثلاث سنوات على تشكيل هيئة الحقيقة والكرامة، ولم يبق سوى عام تقريبا لتغلق بذلك الأربع سنوات لتنهي عملها، ويمكن إضافة عام آخر، حسب القانون المنظم لعملها، ومع ذلك لم يتم تفعيل صندوق الكرامة الذي لا يزال محل تجاذبات بين رئاسة الحكومة وهيئة الحقيقة والكرامة مما أغضب الضحايا الذين ينفذون اعتصاما بساحة باردو ينقلونه من حين لآخر، إما للقصبة حيث مقر الحكومة أو مونمبليزير أين يوجد مقر الهيئة، احتجاجا على عدم تفعيل صندوق الكرامة، وتعبيرا عن غضبهم على ما اعتبروه مماطلة وتسويفا  ومحاولة لتمييع حقوقهم . وتم توزيع بيانات في الغرض أكدوا فيها على ضرورة المصادقة الفورية بدون تأخير على الأمر الترتيبي لصندوق الكرامة، ورد الاعتبار والإسراع في تنفيذ ما هو محمول على هيئة الحقيقة والكرامة، وفقا للأحكام والمبادئ الواردة في القانون الأساسي عدد 53 لسنة 2013 والمؤرخ في 24 من نفس السنة والمتعلق بإرساء العدالة الانتقالية وتنظيمها.

وقال المنسق العام لاعتصام باردو محمد الجماعي" نؤكد على سن الإجراء القانوني المتعلق بتسوية المسار المهني للتلامذة والطلبة والعملة باحتساب تاريخ الاعتقال كتاريخ عمل فعلي إلى حدود تاريخ الانتداب والاشتغال مع الصناديق الاجتماعية للحسم وبصفة نهائية في صرف جراية التقاعد كاملة لكل المتمتعين بالعفو العام والموظفين في القطاعين العام والخاص بعد بلوغ سن التقاعد واعتماد تلك كأولوية قصوى في تحديد طبيعة الأضرار ويؤخذ بعين الاعتبار في الأحكام المتعلقة بجبر الضرر وفي معاييره ومقاييسه. وطالب الجماعي باعتماد مبدأ المعاملة بالمثل بالنسبة لفئة التلامذة والطلبة والعملة بالقطاع العام والخاص في إرجاع الحقوق".

من جانبه أكد  السجين السياسي السابق وعضو الهيئة التنفيذية لاعتصام باردو محمد علي النابلي، على وجوب مأسسة مقاربة خصوصية لفيئة التلامذة والطلبة في مسار العدالة الانتقالية ضمن مقاربة تونسية في آلياتها وخطواتها. وتابع" لا بد من الإسراع فورا إلى ضبط المعايير اللازمة لتعويض المناضلين وتحديد طرق جبر الضرر ".

ويقول مهتمون بهذا الشأن أن جبر الضرر يقوم على التعويض المادي والمعنوي ورد الاعتبار واسترداد الحقوق وإعادة التأهيل والإدماج وليس محمولا عليه القيام بمشاريع تنموية للجهات المفقرة لان هذه من مهام الدولة وليس من مهام هيئة الحقيقة والكرامة .على أن يشمل جبر الضرر كل الفئات من تلامذة وطلبة وعملة وعسكريين وأمنيين ومفروزين أمنيا وغيرهم.

الورتاني أشارت إلى أن الدولة مسؤولة عن الانتهاكات وبالتالي مسؤولة عن جبر الضرر لكنه لم يتم تحديد الآليات بعد. وكانت رئيسة الهيئة سهام بن سدرين قد أكدت في وقت سابق رغبة الهيئة في أن يكون صندوق الكرامة لديه الاستقلالية المالية والإدارية لأنه بدون ذلك يصبح صندوقا من الصناديق التي لدى الحكومة يخضع لتقييماتها الخاصة ، لذلك طالبنا بإطار قانوني يحمي حق الضحايا في جبر الضرر بوجودنا أو عدمه، حيث تنتهي مهمة الهيئة بعد عام لتكون قرارات جبر الضرر محمية بالقانون" ووعدت بن سدرين ممثلي ضحايا الاستبداد بإصدار أمر إقامة صندوق جبر الضرر في شهر ماي القادم. وأن مصادر التمويل ستكون متعددة من بينها الأموال التي سيتم توفيرها من خلال عمليات التحكيم والمصالحة مع رجال الأعمال الذين تلقوا أموالا بغير وجه حق من النظام السابق، علاوة على الهبات الخارجية حيث نجري مفاوضات مع دول ستقوم بدعمنا بمبالغ محترمة، من بينها البنك الدولي، إضافة لتبرعات المواطنين في الداخل والخارج". كما تحدثت عن إمكانية الاستفادة من الأموال المهربة التي تمت في عهد نظام الاستبداد قبل الثورة لجبر ضرر الضحايا. وفي ردها على سؤال بهذا الخصوص، وجهه كاتب هذه السطور للورتاني أفادت الأخيرة بأن " الصندوق لم يفعل حتى الآن وينتظر الأمر من رئاسة الحكومة ". وأضاف عضو هيئة الحقيقة والكرامة علي الرويسي" هناك عديد الإشكاليات من بينها من يشكل الصندوق، ومن يشرف عليه، ومن يحدد مهامه، وهذا ما نريد استخلاصه من الاستشارة والاستبيان والمؤتمر الوطني".

 المتمتعون بالعفو العام، رفضوا إجراء استشارة  وطنية  حول صندوق الكرامة ، وردد عدد منهم في وقفة احتجاجية نظموها أمام مقر الهيئة في وقت سابق وحضرها الكاتب، شعارات تطالب باحترام الاتفاقات التي تمت بينهم وبين الهيئة من جهة، وبينهم وبين السلطة التنفيذية من جهة أخرى، ومنها تفعيل صندوق الكرامة .

وقال محمد الجماعي المنسق العام لاعتصام المصير بباردو في تصريحات خاصة " لموقع قناة الزيتونة" المناضلون سينظمون احتجاجات في مراكز الأقاليم التي ستجرى فيها الاستشارة { حدث }، معتبرا  الاستشارة  تهميشا للمناضلين، حسب تعبيره. ورفض الجماعي كذلك مقترح إقامة مشاريع تنموية لصالح الضحايا مؤكدا بأن ذلك ضربا من الوصاية" المناضلون هم أدرى بأنفسهم ومصالحهم من غيرهم ، ونحن نرفض أي وصاية أو أبوية خلنا أننا تحررنا منها بعد ثورة 17 ديسمبر 14 جانفي" .

المحاسبة والمساءلة أو المحاكمات:

المسائلة والمحاسبة هي الهدف الثاني من مسار العدالة الانتقالية  والتي تعني هيئة الحقيقة والكرامة ولكن لا تقف عندها، فهناك قضايا في المحاكم خارج نطاق الهيئة بيد أنه يمكن إعادة  بعضها للقضاء في الحالات التي لم ترض الضحية عن نتائجها كما هو الحال مع جميع القضايا سواء كان ضحاياها من المدنيين أو العسكريين . ولم يتحقق الكثير في هذا المجال ،بل أن جميع المؤشرات تؤكد بأن الإفلات من العقاب حتى اللحظة هو السائد . سواء تعلق الأمر بالقتل تحت التعذيب كمقتل فيصل بركات ورشيد الشماخي، أو قتل الرائد المنصوري { وغيرهم } سنة 1991.

وقد عقدت المحكمة العسكرية في 12 أفريل 2017 جلستها التاسعة للنظر في الشكوى التي تقدمت بها المجموعة الأمنية للعدالة في حق عدد من المسؤولين والجلادين في عهد المخلوع بن علي، وذلك منذ  سنة 2012 ، وهم زين العابدين بن علي، وحبيب عمار، وزهير الرديسي، المشهور باسم بوكاسا، وآخرين. وقال أحد أفراد المجموعة الأمنية صالح العايدي،"لمركز الدرسات الاستراتيجية والدبلوماسية" لم يجلب من المتهمين سوى إثنان هما عبدالرحمان القاسمي  وزهير الرديسي، حيث كانا في السجن، وجميعهم الآن طلقاء، بل أن حبيب عمار أستقبل من قبل رئيس الجمهورية في 15 فيفيري الماضي وهو صادر بحقه بطاقة جلب، ولم تتحرك السلط المعنية للقبض عليه، وهذا تحد صارخ للقضاء وللعدالة وللضحايا، يدل على هؤلاء المجرمين محميين من أعلى هرم الدولة، أو أن هناك منظومة تحمي بعضها بعضا.

تجدر الإشارة إلى أن محامي المجموعة الأمنية وهم سمير بن عمر، وعبدالرؤوف العيادي، والعياشي الهمامي، والطاهر يحي، وعلي منصور، وآمنة اليحياوي، وسيف الدين مخلوف، وفوزية باشا، وايمان الطريقي، يطالبون في كل جلسة بجلب المتهمين دون جدوى.

وفي يوم الخميس 13 أفريل الجاري نظمت "جمعية عائلات وشهداء الثورة" وقفة أمام مجلس نواب الشعب وعقدت ندوة صحفية بمناسبة مرور 3 سنوات على الأحكام العسكرية التي وصفتها محامية عوائل شهداء وجرحى الثورة لمياء فرحاني في اتصال هاتفي أجراه  معها" المركز" بالمهزلة " مرت 3 سنوات على أحكام المحكمة العسكرية ولم يتغير شئ، المحاكمات سرية تجري بين محامي المتهمين والقضاة العسكريين" وذكرت بالأشكال النضالية التي قام بها عوائل الشهداء الذين نفذوا في وقت سابق اعتصاما دام شهرين في سنة 2014، طالبوا خلاله بنقل ملف شهداء وجرحى الثورة من المحاكم العسكرية إلى المحاكم المدنية، ورغم هذه المطالب ومرور كل هذا الوقت إلا أن الملف لم يتزحزح قيد أنملة" وذكرت محامية شهداء وجرحى الثورة بالقائمة التي تضم أسماء جميع الضحايا من شهداء وجرحى والتي لا تزال حتى الآن في رئاسة الجمهورية مطالبة  بإعلان هذه القائمة التي مر عليها نحو عامين وتحديدا منذ 17 ديسمبر 2017" مرت العديد من المناسبات التي انتظرنا أن يخرج فيها رئيس الجمهورية هذه القائمة دون جدوى"  وتابعت " لا توجد إرادة سياسية لحلحة الملف، وهناك سلسلة من الأحداث التي تغطي إحداها على الأخرى ولم يأخذ الملف حقه".

المصالحة:

المصالحة هي آخر الأهداف السبعة للعدالة الانتقالية في تونس بعد إصلاح المؤسسات والتي عبر أحد المسؤولين الكبار عن المؤسسة السجنية في تونس عن نظرته للإصلاح في إحدى دورات الإصلاح في حديث جانبي بأن" أفضل ما في هذه الدورات الكراسات والأقلام التي يمكن للمرء أن يسلمها لأبنائه في المدرسة " حيث لا تزال التقارير تتحدث عن سوء المعاملة سواء لنزلاء السجون أو للصحفيين ، وتقارير المنظمات الحقوقية في تونس وخارجها مفعمة بهذه التأكيدات. ورغم أن إصلاح المؤسسات يأتي قبل بند المصالحة إلا أن هناك مبادرة رئاسية في الغرض تقتصر على رجال الأعمال والموظفين السامين في الدولة دون غيرهم . وهو ما أثار ردة فعل مختلفة من قبل أحزاب ومنظمات تونسية في الداخل والخارج دعت جميعها رئيس الجمهورية لسحب مبادرته وترك العدالة الانتقالية تأخذ مجراها وفق آلياتها المتفق عليها سلفا والتي نص عليها الدستور والقانون المنظم لهذا الأمر.

هيئة الحقيقة والكرامة وعلى لسان أبرز أعضائها خالد الكريشي نفت وصول نسخة من المبادرة الرئاسية لها. وقال الكريشي { لموقع قناة الزيتونة}" لم يصلنا أي شئ من رئاسة الجمهورية وبالتالي لا يمكن التعليق على هذا الأمر" واستدرك الكريشي" الهيئة هي الجهة المعنية بهذا الملف ولا نعتقد أن هناك داع لمبادرة رئاسية أو غيرها في هذا الصدد" بيد أن مصادر إعلامية ورقية نسبت إلى المستشار في الرئاسة نورالدين بن تيشة قوله أن " المصادرة سيتم تطبيقها قبل حلول شهر رمضان" وكان عدد من الأحزاب والجمعيات التونسية بفرنسا الشمالية قد أصدرت مؤخرا بيانا مشتركا، دعت فيه رئاسة الجمهورية إلى السحب الفوري لمشروع قانون المصالحة الاقتصادية والمالية ضمانا للسلم الاجتماعي. وتضم مجموعة الأحزاب والجمعيات كل من الحزب الجمهوري فرنسا الشمالية، وحزب المسار الديمقراطي الاجتماعي، والتحالف الديمقراطي { جامعة فرنسا } وحزب التيار الديمقراطي {مكتب فرنسا } وحزب التكتل الديمقراطي من أجل العمل و الحريات { جامعة فرنسا } و الجبهة الشعبية { مكتب فرنسا الشمالية } وحركة الشعب فرنسا الشمالية و الجمعية الديمقراطية للتونسيين بفرنسا وجمعية التونسيين بفرنسا وائتلاف التونسيين بفرنسا، وفدرالية التونسيين من أجل مواطنة الضفتين و حملة مانيش مسامح.

واستنكرت الأحزاب والجمعيات الموقعة على البيان، إصرار رئاسة الجمهورية على إعادة عرض مشروع ما سمي بقانون المصالحة الاقتصادية والمالية على أنظار مجلس نواب الشعب حيث فشلت في تمريره في مناسبتين بعد أن تصدت له القوى الديمقراطية والشبابية  داعية  نواب الشعب والقوى السياسية والمجتمع المدني والشخصيات الوطنية للتصدي لتمرير هذا المشروع .

وأكد الموقعون تمسكهم بـ  المصالحة بشرط المحاسبة والمكاشفة ومصارحة الشعب في إطار احترام مسار العدالة الانتقالية الذي يضمن المساءلة، والمحاسبة، والاعتذار، وجبر الضرر، ورد الإعتبار.

 

عراقيل .. وانتقادات

تعرضت هيئة الحقيقة والكرامة للعديد من العراقيل قد يكون من أبرزها { 1 } محاولة  عرقلة نقل الأرشيف من قصر قرطاج الرئاسي إلى مقرها مونبليزير من قبل إحدى نقابات الأمن الرئاسي . ولم يتم نقل الأرشيف سوى في مايو 2015 وبعد عدة محاولات وتدخلات من أطراف نافذة في السلطة وفي إطار توزانات سياسية كانت تطبخ على نار هادئة.

{ 2 } لا تزال هيئة الحقيقة والكرامة تشتكي من عدم استجابة وزارة الداخلية لمطلب تزويدها برشيف البوليس السياسي أو نسخة منه.

{ 3 } لا تزال الهيئة تشتكي من عدم امتثال المتهمين لدعوات المثول أمام المحاكم، بل لحضور جلسات المصالحة التي قبل بها الضحايا ولا يزال يرفضها الجلادون

{ 4 } تشتكي الهيئة من ضعف الموارد البشرية والمالية ولا سيما ميزانية الهيئة إذا يمثل مبلغ العشرة ملايين دينار ثلث احتياجاتها الحقيقية لا سيما مع فتح مكاتب لها في كل من صفاقس، وسيدي بوزيد، والقصرين، وقفصة، ومدنين ، وقابس، وسوسة، والكاف ، وجندوبة.

{ 5 } تعرضت الهيئة لمحاولات إلغائها أو تقليص دورها والنيل من مصداقيتها وحتى اتهامها بالفساد ورفعت شكاوي ضدها أمام مجلس نواب الشعب، وحتى القضاء . وقدم " الحزب الحر الدستوري لمجلس النواب مقترحا يقضي بمراجعة قانون العدالة الانتقالية عبر إلغاء 28 فصلا وتعديل 15 آخرين. وبالتالي يحصر مجال عمل هيئة الحقيقة والكرامة في النظر في ملفات القتل العمد والإغتصاب والتعذيب فقط ، وهي قضايا يمكن التلاعب بها بدعوى غياب الإثبات.

{ 6 } واجهت الهيئة هجمة شرسة بعد جلسة الاستماع الأخيرة التي تحدث فيها مقاومون للاحتلال الفرنسي عن تعرضهم للاضطهاد والتهميش والمحاكمات الظالمة بعد 1956 فضلا عن غمط دورهم في مقارعة الاحتلال الذي جثم على صدر بلادنا { 1881 / 1956 } ولا يزال يرخي بظلاله على الكثير من أوجه الحياة فيها .

{ 7 }  هناك انتقادات صادرة من الضحايا أنفسهم، ولكن ليس بهدف التشكيك في القيمة المعنوية للهيئة ودورها في إنجاح مسار العدالة الانتقالية، ولكن لانشغالها في الجلسات العلنية دون أن يوازي ذلك أو يتزامن معه جهد آخر على مسار جبر الضرر، ولا سيما للحالات التي تعاني المرض والفقر والخصاصة والحرمان .

{ 8 } عارض الكثير من المتمتعين بالعفو العام، ضحايا الاستبداد، الاستشارة الوطنية حول جبر الضرر ، واعتبروا ذلك تمييعا لحق التعويض، مذكرين بما تعرضوا له من قبل بعض من تتم استشارتهم من بخس واتهامات ونكران.

خاتمة :

لا تزال هيئة الحقيقة والكرامة، تواصل عملها في كشف الحقيقة، من خلال جلسات الاستماع، وحفظ الذاكرة الوطنية، من خلال توفير أرشيف ضخم للباحثين والمؤرخين. ولا تزال محاولات عرقلة عمل الهيئة متواصلا، وهناك من يتمنى أن يقوم في الصباح ويجد الهيئة قد حلت. ولا يزال الضحايا ينتظرون الإنصاف وجبر الضرر، وهو حق دستوري ، ليس بدعا من تجارب الشعوب والدول الأخرى كالمغرب، وجنوب إفريقيا، والأرجنتين ، وأمريكا اللاتينية ،وأوربا الشرقية، وبالتالي ليس سابقة يمكن أن تكون محلا للمزايدات. وانجاز مهام العدالة الانتقالية كما يؤكد كثيرون، هو مؤشر على نجاح الثورة التي رفعت اسم تونس إلى مصاف الدول الحرة ، وبالتالي تعني كل الأحرار في تونس والخارج ممن أكدوا استعدادهم للمساهمة في إنجاح مسار العدالة الانتقالية في بلادنا، كما أكدت رئيسة الهيئة سهام بن سدرين، في شريط فيديو موثق. بقي على المعنيين من سياسيين وأحزاب سياسية، وشخصيات وطنية ،ومنظمات حقوقية الوقوف إلى جانب هذا المسار الذي يمكن أن يؤدي اختلاله أو توقفه{ لا قدر الله } أن يعيد البلاد والعباد إلى المربع المظلم مربع الرعوية القطعانية، مسلوبة الإرادة، معدومة الآفاق.

 

تعليقات الفيسبوك