هيئة دستورية للإتصال السمعي البصري.. حتى لا يخالف القانون باسم القانون

عقدت وزارة العلاقة مع الهيئات الدستورية والمجتمع المدني وحقوق الإنسان يوم الثلاثاء 17 أفريل الاستشارة الختامية حول مشروع القانون الأساسي لهيئة الاتصال السمعي البصري. وتتجه النية وفق ما صرح به الوزير مهدي بن غربية للفصل بين مشروع قانون هيئة الاتصال السمعي البصري، ومشروع قانون الاتصال السمعي البصري ، بهدف الإسراع في تركيز هيئة الاتصال السمعي البصري الدائمة ، والتي ستحل مكان الهيئة الحالية والتي نص عليها الفصل 127 من الدستور .

مهام حمالة أوجه

ورغم أن الاستشارة شملت أعضاء في مجلس نواب الشعب، والهيئات الدستورية المستقلة، والنقابات  المعنية بصفة مباشرة، علاوة على ناشطين في المجتمع المدني، والمجال السمعي البصري، وما يطلق عليهم بالخبراء، إلا أن مهمة الهيئة بقيت عرضة للتفسيرات المختلفة، مما حدا بإحدى النقابات، وهي النقابة العامة للإعلام، لمقاطعة الاستشارة لعدة أسباب من بينها عدم تشريك الهياكل المهنية المعنية بشكل مباشر في صياغة مشروع قانون هيئة الاتصال السمعي البصري، والفصل بين مشروعي قانوني هيئة الاتصال السمعي البصري والاتصال السمعي البصري. وكان تعريف مهام الهيئة في الفصل 127 من الدستور قد خضع للعديد من التفسيرات المتعسفة أحيانا والمجتزئة له والبعيدة عن روحه، ولا سيما الإشارة إلى" تولي تعديل قطاع الاتصال السمعي البصري وتطويره" و" السهر على ضمان حرية التعبير والإعلام، وعلى ضمان إعلام تعددي ونزيه" و" تمتع الهيئة بسلطة ترتيبية في مجال اختصاصها وتستشار وجوبا في مشاريع القوانين المتصلة بهذا المجال" كل هذا فتح المجال لتأويلات عديدة حول مضامين هذه النصوص، وكيفية تنزيلها على أرض الواقع.

قصور الهايكا

البعض اعتبر الهيئة الحالية وقفت عند تعديل قطاع الاتصال السمعي البصري، ولم تقم بالخطوات الواجبة الأخرى، حيث لم يسجل حتى الآن أي اجراء ملموس يذكر في تطوير القطاع، واكتفت بإصدار بيانات شجب واستنكار، أوفرض عقوبات وغرامات مالية على بعض وسائل الإعلام. وقد أثارت التدخلاتها المذكورة الكثير من ردود الأفعال سوا من قبل الاطراف المتضررة، أو المراقبين، فضلا عن الشعب الذي خرج البعض منه منددا بإجراءات الهيئة "الهايكا" ولم يتم الإعتراف بالتعددية الإعلامية في أدنى مظاهرها ، بما يضمن التعدد النزيه واحترام حقوق الإنسان كما نص على ذلك الدستور.

إخلالات كثيرة رافقت عمل الهيئة الحالية، سواء تعلق الأمر بالاستقالات التي شهدتها، ولم يتم ملئ الشغور، حيث  يجب أن تتكون وفق الدستور من 9 أعضاء مستقلين محايدين من ذوي الكفاءة والنزاهة يباشرون مهامهم لفترة واحدة مدتها ست سنوات ويجد ثلث أعضائها كل سنتين. ومن مهام الهيئة أيضا" دعم الديمقراطية في إطار مؤسسات الجمهورية الثانية ولا سيما التأسيس لنظام جمهوري ديمقراطي تشاركي تضمن فيه علوية القانون وتحرص على ضمان الحق في الإعلام وحرية الرأي والتعبير".

وقد رافق مسار الهيئة الكثير من أوجه القصور والعجز باعتراف هيئتها المديرة، ومن ذلك ما ذكره هشام السنوسي من أن الهيئة منعت من التدقيق المالي للتلفزة الوطنية. وكانت متشددة إلى حد العداء الصارخ مع بعض وسائل الإعلام كالزيتونة على سبيل المثال، ومتساهلة إلى حد كبير مع أخرى ولا سيما صفقة بيع قناة الحوار الجمعياتية إلى شركة تجارية خاصة، وغيرها. وعدم النظر في ملفات طلب الترخيص وفقا لكراس الشروط ، وإبقاء الحكم على الملفات القديمة ساريا على الملفات الجديدة ، ومبررا لمنع منح التراخيص . بل إن تضارب المفاهيم حول المهام جعل هشام السنوسي يتدخل في ما لا يعنيه و يصف ما قامت به قوات الأمن في القصبة يوم 25 فيفري 2016 "يضاهي الإرهاب".

هيئة دستورية ديمقراطية

الآن والدولة تستعد لتركيز هيئة الاتصال السمعي البصري الدائمة، لا بد وأن تراعي ما شاب عمل الهيئة الحالية من اخلالات وإخفاقات وانزلاقات كأي عمل بشري معرض للخطأ والصواب. ولضمان الحيادية لا بد أن تخضع الهيئة لرقابة من مجلس نواب الشعب، والحكومة، ولما لا من مجلس يمثل وسائل الإعلام المختلفة إلى جانب الهياكل النقابية، فضلا عن القضاء . وأن تخضع القرارات الصادرة عن الهيئة الدائمة للمراجعة من قبل مجلس يمثل مختلف الأطراف حتى لا تتغول، وتخالف القانون باسم القانون. وأن يفرض على الهيئة تبرير قراراتها بالأدلة الدامغة، وبالوثائق والمعطيات المتوفرة لديها، ومنح الطرف المقابل الحق في الدفاع عن نفسه، ليس أمام القضاء فحسب، والذي يأخذ وقتا طويلا ليصدر أحكامه، علاوة على عدم بسط القضية من كل جوانبها وفي إطار الدستور، وإنما بعرض القضية على مجلس يمثل مختلف الأطراف حتى لا تقلب الحقائق وتسود الدغمائية وتغيب الحقيقة.

ولا شك بأن توفر الحيادية في الأعضاء الممثلون للهيئة أمر صعب إن لم يكن مستحيلا، لا سيما وأن المرشحين عاشوا فترة الاستقطاب السياسي والايديولوجي، وتأثروا بمقادير مختلفة بتلك الأجواء التي لا تزال سائدة إلى الآن . وبدون وجود هيئة رقابية على قرارات الهايكا، لا يمكن تحقيق القيمة التي هدف لها الدستور من تعددية نزيهة وحرية تعبير، وحقوق إنسان .

عبدالباقي خليفة

 

تعليقات الفيسبوك